نبض عناية
الإثنين تشرين2/نوفمبر 20, 2017

أول صحيفة صحية في الشرق الأوسط
مرخصة رسميا من وزارة الإعلام السعودية

above-shasha-b

و هكذا مر السادس من آذار/ مارس دون أن يلفت انتباه أحد سوى من بضع كلمات خجلى يتم تداولها من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، مر و أفلت شمسه دون أن يحدث أي ضجيج و كأن شيئا لم يكن، لا ندوات و لا مقترحات و لا حتى التفاتة إلى المشاكل و التحديات، يوم روتيني يمضي كغيره دون أن يحدث أي صدى...

و لعل هناك من يتساءل عن سر السادس من آذار ليثير الشجون و يحرك في النفوس ألما و غضبًا!! لعل الغالبية العظمى لم تتذكر أو بالأحرى لم تكن تعرف أن السادس من آذار/ مارس هو يوم طبيب الأسنان!!

الغريب في تجاهل هذا اليوم هو أن يتجاهله أطباء الأسنان أنفسهم، و كأني بهم يتعامون عن آلام يغصون بها كل لحظة، هذا التهميش سواءً كان متعمدًا أم غير ذلك مؤلم جدا و مثير للإحباط، و هذه المقالة ليست فرصة للبكائيات و لا للتنفيس العاطفي الذي غالبًا لا يؤدي إلى نتيجة سوى إحساس وقتي بالراحة و لكنه فرصه لتشخيص الواقع و محاولة رسم الأطر العريضة لما قد يكون بإذن الله حلًا لمعضلة لطالما طال انتظار حلها. إن منظمة الصحة العالمية تعرّف الصحة على أساس أنها حالة من التكامل بين السلامة الجسدية و العقلية و النفسية و الاجتماعية لتحقيق الرفاهية الإنسانية و لذا لا يجب حصر تعريف الصحة في المرض أو العجز، إلى هنا ينتهي تعريف الصحة حسب منظور منظمة الصحة العالمية و من هنا يبتديء تساؤلي عن اللغة العالمية التي لا تحتاج إلى تعليم و عن جنود جل همهم الحفاظ عليها و بحث كل وسيلة تؤدي إلى استدامتها، تلك اللغة هي الابتسامة و أولئك الجنود هم أطباء الأسنان...

أطباء الأسنان بين سندان سخرية يتجرعون مرارتها طوال سني دراستهم من قِبل أساتذة و زملاء يتساءلون عن الهدف الذي تنشيء لأجله كلية و في نظرهم المحصلة 32 سنا؟ و بين تكرار وصفهم بالحلاقين و كأنهم يجهلون أن الحقيقة التاريخية التي لا يمكن تكذيبها هي أن الحلاقين لم يكونوا أطباء أسنان فقط بل كانوا يمارسون التطبيب بعمومه و الجراحة و معالجة أمراض الأنف و الإذن و الحنجرة و غيرها، يتخرجون ليستمر مسلسل السخرية الغير مبرر ففي الوقت الذي تتعالى فيه الأصوات المنادية بتكامل التخصصات و أنه مسرحية البطل الوحيد لم يعد لها مكان و لكن على ما يبدو لم تُحدث هذه النداءات الصدى المطلوب بعد، إضافة إلى أن غياب أطباء الأسنان عن مراكز القرار لفترة طويلة قد أثر سلبًا على طب الأسنان..

هذا الغياب الذي أصبح الآن أخف وطأة مع بروز نجم بعض الزملاء و الزميلات إلا تحركاتهم لنفض الغبار عن التخصص مازالت خجولة، هذا الخجل غالبًا ما يستند إلى غياب الدعم الكافي و إلى استسلام كثيرين من أطباء الأسنان لحالة الإحباط و الرغبة في تهيئة المناخ المناسب و عدم الرغبة في الاصطدام نتيجة اختلاف وجهات النظر.

غياب الجرأة و إن كان مفهومًا إلا أنه يسهم في تأخر تطور المجال على الصعيد المحلي و يعطّل مساهمته في التطوير على الصعيد العالمي.. و لعل أكثر ما يؤلم هو غياب الباحثين من ذوي الخلفية العلمية في طب الأسنان عن الساحة البحثية على الرغم من الارتباط الوثيق بين صحة الفم و الأسنان و الصحة العامة للإنسان من الناحية الجسدية و النفسية و العقلية، فكثيرة هي الأمراض العضوية التي يؤثر سوء الحالة الصحية للفم عليها سلبًا و كثيرة هي الوساوس و المشاكل النفسية التي تنهك كثيرين نتيجة عدم رضاهم عن أسنانهم أو شفافهم أو بسبب وجود عيوب خَلقية أنتجت تشوهات جعلتهم يفضلون العزلة القسرية و كأنهم يعاقبون أنفسهم عما ليس لهم فيه ذنب. فيه ذنب.

إن البحوث في مجال طب الأسنان ليست محصورة في التسوس و امراض اللثة كما يظن البعض بل الأمر أكثر شمولا فدراسة خواص المعادن المختلفة و الصناعات البلاستيكية و مدى توافقها مع النسيج الحي و كيفية تطويع التقنيات الحديثة لتحسين جودة الخدمة المقدمة و تطويرها، كذلك الدراسات السكانية و الاقتصادية و تلك المتعلقة بتخطيط و تطوير الخدمة الصحية كلها مجالات يجب أن يشارك فيها الباحثون الذين يملكون الخلفية العلمية في طب الأسنان لضمان شمولية الدراسات و تغطيتها لكافة الجوانب. و لعلنا مؤخرًا قد بدأنا نلحظ حراكًا بحثيا تقوده كليات طب الأسنان نتمنى ألا يتوقف عند حدود النشر العلمي بل أن يتعداها لإحداث الأثر المجتمعي و الأثر العلمي بما يضمن تحسين الجودة الحياتية للإنسان بشكل تتكامل فيه الاحتياجات الجسدية مع العاطفية و النفسية في محاولة لخلق جو تفاعلي سوي.

ندرك أن الطريق طويلة أمام طب الأسنان ليأخذ مكانه الطبيعي ففي الوقت الذي تعتبره دول العالم الأول ركيزة أساسية في المنظومة الصحية مازال بيننا من يعتبره ترفًا على الرغم من أن الأبحاث قد اثبتت أن صحة الفم و الأسنان تنعكس بشكل مباشر على صحة الشخص و المجتمع بشكل عام و أن هناك ارتباط وثيق بين صحة الفم و الأسنان و تحسين الحالة الصحية العامة لمن يعانون من الأمراض المزمنة كما أن الدراسات أثبتت أن من يتمتعون بابتسامة جذابة أكثر حظًا من غيرهم على صعيد الحياة العامة و الشخصية و المهنية، هذه المقالة ليست بكائية على أطلال تخصص نرجو أن يستعيد مكانته و لكنها فقط تحية لكل من يبذل الجهد و لو كان خجولا لأجل أن يستعيد طب الأسنان مكانته و رسالة عتاب لأولئك الين نالهم الإحباط فركنوا إلى زاوية يجترون فيها آلامهم و يمنون أنفسهم بواقع أكثر وردية و مستقبل أكثر إشراقًا..

 

همسة:
نلتقيكم في السادس عشر من آذار بإذن الله و حتى ذلك الحين سنعمل جادين ليتربع طب الأسنان على عرشه الذي لطالما غاب عنه طويلا


المقال بقلم:

د. وئام بنجر

الكاتب في سطور
الكاتب: د.وئام بنجر
طبيبة أسنان،،،،مبتعثة في الولايات المتحدة الأمريكية

above-edu