نبض عناية
الإثنين تشرين2/نوفمبر 20, 2017

أول صحيفة صحية في الشرق الأوسط
مرخصة رسميا من وزارة الإعلام السعودية

above-shasha-b

أيام قليلة تفصلنا عن الذكرى الرابعة لإعلان الحالة الأولى لفيروس الكورونا المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية، فقد سُجلت الحالة الأولى على الإطلاق في المملكة العربية السعودية في شهر سبتمبر (أيلول) من العام 2012

و لم يمهل القدر المريض طويلا فتوفاه الله سائلين الله له الرحمة و المغفرة و أن يجعل ما أصابه كفارة له. و ما لبثت أن توالت الحالات حتى تجاوزت سقف الألف حالة، شفي منها أكثر من النصف قليلا فيما انتقل البقية إلى رحمة الله. و من بين الدول التي سجلت ظهور حالات بالعدوى الفيروسية احتلت المملكة العربية السعودية المركز الأول. و رغمًا عن حالة القلق التي تثيرها العدوى الفيروسية فقد كان لفيروس الكورونا المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية الفضل بعد الله لتعليق الجرس لتعديل مسار كثير من الجوانب و الخطط المتعلقة بالصحة العامة و الصحة الوقائية.

فيروس الكورونا المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية أسقط ورقة التوت عن سنوات من تهميش التخصصات البحثية المتعلقة بالدراسات الصحية التي تسهم في التخطيط للجانبين الوقائي و العلاجي إضافة إلى الدراسات السكانية و تحديد العوامل الديموغرافية و البيئية و الجينية و مدى تفاعل هذه العوامل مع بعضها لفهم الوضع الصحي، إضافة إلى الاستعداد المبكر للكوارث المتعلقة بالصحة.

فيروس الكورونا المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية عرّى غياب إدارة المخاطر و الكوارث فيما يختص الصحة العامة ما أدى إلى تولّد حالة من عدم الاتزان في مواجهة الفاشية الوبائية تجلت في عدم وجود آلية واضحة لمواجهة مثل هذه الفاشيات إضافة إلى ضعف برامج المراقبة الوبائية (surveillance) الأمر الذي نتج عنه تضارب التصريحات عن الجهات الرسمية مما أثار حال من الذعر بين العامة في البدايات، و حيث أن مبدأ تكامل و شمولية الصحة (One Health)  يهدف إلى أن الصحة في مفهومها الشمولي هي العلاقة التفاعلية بين كل المؤثرات العاطفية و النفسية و العضوية و البيئية و الاقتصادية و ما يتعلق بها و تأثيرها سواء كل على حدة أو بشكل جمعي على صحة الفرد بصفته اللبنة الأساسية لبناء المجتمع و لضمان تفاعل صحي بين أفراد المجتمع بعضهم البعض و البيئة المحيطة. حالة الذعر التي انتشرت بين العامة تعكس غياب البنية التحتية للإعلام الصحي.

فيروس الكورونا المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية رفع النقاب عن العلاقة الشبه معدومة بين الأطباء البشريين و أقرانهم من الأطباء البيطريين، غياب التواصل بين القطبين و نظرًا لكون الفيروس في ذاته يحتاج إلى عائل حيواني ليقوم بنقل العدوى إلى البشر قد أسهم و بشكل كبير في تأخر الحركة البحثية التي في أساسها تشكو من العديد من التحديات لعل أهمها غياب سياسة الدعم البحثي و عدم جاهزية المعامل و المختبرات و الكوادر البشرية المؤهلة. 

إن غياب وجود مجلس أعلى لإدارة الكوارث و المخاطر المتعلقة بالصحة العامة لا يعوضه مركز القيادة و التحكم خاصة أن صلاحياته محدودة بالمنشآت الصحية التابعة لوزارة الصحة التي تئن تحت وطأة الكثير من التحديات فيما تعتبر إدارة الكوارث و المخاطر المتعلقة بالصحة العامة و وضع السياسات و الإجراءات و الخطط المتعلقة بالاستعداد المبكر لمواجهتها ضمن المهام المناطة بالمركز الوطني للوقاية من الأمراض و مكافحتها و قد بات تفعيل المركز ضرورة حتمية مع ظهور أجيال جديدة من الأوبئة و الأحياء المجهرية المتحورة و المسببة للعديد من الفاشيات الوبائية.

يوفر المركز الوطني للوقاية من الأمراض و مكافحتها المظلة الوطنية القانونية لجمع كافة القطاعات ذات العلاقة لرسم الخطط و السياسات و الإجراءات المتعلقة بإدارة الكوارث و المخاطر المتعلقة بالصحة العامة و ذلك بموجب قرار التأسيس رقم 200 الوارد فيه المهام و الصلاحيات و الصادر عن مجلس الوزراء في 19/6/1434هـ.

ما يعني شمولية التخطيط و توزيع المهام و لأن القاعدة الأساسية في إدارة الكوارث و المخاطر هي الاستعداد المبكر ولا يكون الاستعداد عن طريق تفعيل نظام المراقبة الصحية و الرصد المبكر و ما يتبعها من تحليل للبيانات الواردة سواء على الصعيد المحلي، الإقليمي أو العالمي مع ربطها بالعوامل المحلية التي قد تلعب دورًا مؤثرًا في مسار الفاشية الوبائية و مدى حدتها الأمر الذي يستلزم ربط نظام البيانات و المعلومات الصحية في هيئة الإحصاء مع مثيلاتها في القطاعات الصحية و حيث أن بناء بنك المعلومات هو من المهام المناطة بالمركز الوطني للوقاية من الأمراض و مكافحتها و قد يكون مركز المعلومات الصحية في المجلس الصحي نواة لذلك بالتنسيق و التعاون بينهما لتحديد الآلية المناسبة لنقل البيانات و الاستفادة منها للتخطيط و الاستعداد المبكر للكوارث و المخاطر التي تهدد الصحة العامة خاصة أن الكوارث ليست فقط متعلقة بظهور الأجيال الجديدة و المتحورة من الأحياء الدقيقة المجهرية و لكن قد تكون طبيعية كالفيضانات و السيول و الزلازل و قد تكون أمنية كالانفجارات و الحروب و اللاجئين على الحدود و قد تكون خليطًا من هذا و ذاك. 

مازالت لا توجد هناك منهجية واضحة للبحث العلمي المتعلق بالصحة، فعلى الرغم من الجهود المشكورة المبذولة في هذا المجال إلا أن غياب التعريف الواضح للكادر البحثي و التوصيف الوظيفي، فأصبح البحث العلمي ملكًا مشاعًا كلٌّ يدعي وصلاً به و كأنما البحث العلمي في مجال الصحة هو ليلى التي لم تقر لهم بذاكا الوصل!! ولأن البحث العلمي ليس مجرد أوراق علمية منشورة بل هو في الواقع يبدأ من تأسيس البنية التحتية لفهم السياسات و الإجراءات التي تهدف لخدمة الهدف الأسمى و هو تعزيز صحة الإنسان و يستلزم ذلك كوادر مؤهلة في المجالات المختلفة بحيث تتكون المجموعات البحثية التكاملية، و لعلنا نشكر فيروس الكورونا المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية الذي أسقط ورقة التوت عن وضع الأبحاث المتعلقة بالصحة، فغالب الجهود فردية و على الرغم من الجهود الحثيثة التي تبذلها التي مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم و التقنية لتحديد الأولويات البحثية فإن تشعب الجهات التي تقوم بإجراء البحوث و تعدد الأهداف و الأولويات لكل قطاع يجعلنا نلتفت إلى الدور الحيوي الذي سيلعبه المركز الوطني للدراسات و البحوث الصحية التابع للمجلس الصحي السعودي و الذي يجمع تحت مظلته كافة القطاعات الصحية و القطاعات ذات العلاقة و إذا ما راجعنا قرار مجلس الوزراء القاضي بتأسيس المركز الوطني للوقاية من الأمراض و مكافحتها فقد أناط بالمركز العديد من المهام البحثية سواء على المستوى التنفيذي أو الرقابي ما يجعل التوأمة بين المركزين مع التنسيق مع مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم و التقنية هو فاتحة الطريق نحو تقدم بحثي مبني على أسس صحيحة بعد الاستفادة من تحليل الوضع الراهن الذي تبرع فيروس الكورونا المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية في أدائه بالنيابة عنا و لعل الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق.

أما الكوادر المؤهلة فتحتاج إلى رحلة اكتشاف و دعم إضافة إلى البدء في مراجعة تصنيف الكادر الصحي بما يضمن التوصيف المهني السليم لكل سلم بحيث يتم حسب الفئات التي تعبر عن صميم العمل فهناك الكادر الصحي الاكلينيكي و الكادر الصحي البحثي و الكادر الصحي الإداري و لعل هذه الفئات تتطلب التفكير خارج الصندوق فالكادر الصحي البحثي مثلا قد يضم زملائنا من البياطرة و المؤهلين في العلوم الأساسية و كذلك العلوم الإنسانية الاكلينيكة. و لعل التزام المملكة العربية السعودية بالباقة المعنية ببناء رأس المال البشري في مجال الصحة الوقائية ضمن أجندة الأمن الصحي العالمي هي فاتحة لتأسيس ذلك.

همسة: 

شكرًا فيروس الكورونا المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية فقد كان ظهورك و إن كان مؤلمًا إيذانا بحركة تصحيحية لتفعيل الصحة الوقائية. 

 

بقلم د. وئام بنجر

طبيبة أسنان وباحثة

 

 

 

الكاتب في سطور
الكاتب: د.وئام بنجر
طبيبة أسنان،،،،مبتعثة في الولايات المتحدة الأمريكية

above-edu